نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١٣٤وملخّصها أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقد ضمّ سلمان الفارسّي إلى رجلين موسرين ليخدمهما في سفر، فلم يهيّيء لهما طعاما لغلبة النوم عليه، فأمراه بالذهاب إلى النبي ليلتمس عنده طعاما وإذا ما فأجابه النبي إلى أسامة بن زيد خازنه، وعندما رجع إلى صاحبيه بخفي حنين ظن الرجلان أن أسامة قد بخل، فبعتاه إلى بعض الصحابة فلم يجد عندهم شيئا، فقالا: لو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسّسان على أسامة فرآهما النبي فقال: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟؟ … فلما نفيا أنهما أكلا لحما قال لهما الرسول: ولكنكما ظللتما نأكلان لحم، سلمان وأسامة، فنزلت الآية.
ومهما تكن تفاصيل الحادثة فإن الله قدّر أن تجري مثل هذه الحوادث حتى في مثل ذلك المجتمع الفاضل من خيرة أصحاب رسول الله لتكون سببا لتشريع الأحكام وهم القدوة الحسنة للأمة من بعدهم.
يقول الدكتور ...... في تعريف الظن: إن الظن ما يحصل عن أمارة، وهو بهذا شك، ولكنه قد يلحقه تدبّر فيصير ضربا من اليقين، ولكنه دون يقين المعاينة، وقد تضعف الإمارة فيكون الظّن توهّما وفي هذه الحالة يكون الظن مذموما، ثم يقول: والظن الحسن هو تغليب جانب الخير على جانب الشرّ، وتجنب المسارعة بالإتهام دون برهان"(1).
والآية الكريمة لا تنهى عن مجّرد الظن، لأن ذلك أمر متعسّر ولكنها تحرّض المؤمنين على اجتناب كثير من الظن، ولم تذكر متعلق الظن ليشمل كل أنواع الظنون الآئمة.
وهي ما يتعلق بأحوال الناس، وحتى يبقى المؤمن سليم القلب طيّب النفس يجب عليه أن يتمحص ويتثبت في الأمارات التي تبعث على الظن أهي صادقة أم كاذبة؟؟ … وذلك ما عناه الرسول بقوله: «إذا ظننت فلا تحقق» كما حذر المؤمنين من الوقوع في وسوسته فقال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»(2).