نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١٩٤بعد أن أقسم الله على تحقيق وقوع البعث فقال: (اِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ، وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ): انتقل السياق إلى الاستدلال التدبّري في الآيات الدالة على عظمة الله وقدرته في الآفاق وفي الأنفس فقال: (وَفِي الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ)، بدأ الله بالقريب المشاهد المتصل بالإنسان وحياته، وكم في القرآن من آيات تحرّض على النظر والتأمل في ما خلق الله من مثل قوله: (قُلُ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ) (يونس:101). (قُلْ سِيرُوا فِي الاَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلُ) (الروم: 42).
وجاءت الآية هنا مختصرة في مبتدأ وخبر، قدم الجار والمجرور على المبتدأ للاهتمام والتشويق، وجاء الجمع آيات ليشمل كلّ الأحوال الأرضية التي يمكن للإنسان أن يكشفها ويطلع عليها، وهي ما تزال مجالا واسعا للأبحاث والاكتشافات وما يزال المجهول منها أكثر من المعلوم سيما سنة الإيجاد والإفناء للمخلوقات مما يدلّ على قدرة الله، تلك السنة العجيبة التي يجري مسلسلها في ذواتنا حياة وموتا لخلايا الجسم، ولذلك لفت الله أنظارنا إلى ذلك فقال: (وَفِي أَنفُسِكُمُ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ)، والتقدير: وفي أنفسكم آيات. فميزة الإنسان الخلقية والخلقية على سائر المخلوقات الأخرى تجعله فريدا من نوعه في التكوين وفي الإلهام والإدراك وفي التصرّف والتدبير، سيما في جوانبه النفسية المعقدة إذ الأبحاث في مراحلها الابتدائية، وصدق الذي قال:
دواؤك فيك وما تشعر … وداؤك منك وما تبصر
وتزعم أنك جرم صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر
فالله الذي هو أعلم بمن خلق يوجّه أنظارنا إلى تدبّر تلك الحقائق المحيطة بنا، ولكن الذين يستفيدون من ذلك هم أولئك الذين لهم القابلية والاستعداد لأن يقتنعوا ويوقنوا بما يهتدون إليه من الحق فيؤمنون به ويتبعونه.