نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٧(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا): أي إن مستند المرابين في إعطاء الشّرعية لعملهم الخسيس أنّهم ساووا بين عملية البيع وعملية الرّبا على اعتبار أن كلتا العمليتين تحقق فائدةً وربحاً، ولكن شتّان بينهما، فإن الأولى -أي عملية البيع- تخضع للرّبح والخسارة، وهي معاوضة بين شيئين: الثمن والمثمن، وتتحكم في الرّبح والخسارة أمور منها الجهد الشّخصي للتاجر ومهارته والظّروف العامّة المهيمنة على الأسواق وتقلّبات العرض والطلب … إلخ. وأمّا الثّانية -عملية الرّبا- فهي محدّدة الرّبح مضمونة الزّيادة بغير مقابل، فهي -إذن- أكل لأموال النّاس بالباطل، بينما التّجارة يكون فيها النّفع مزدوجاً بين البائع والشّاري.
وقد أضاف الله لها عنصر التّراضي بين الطّرفين إزالة لأيّ استغلال أو غبن فاحش، ومن ثمّ فقد انتفت منها علّة أكل أموال النّاس بالباطل فقال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ لاَ تَاكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء:29)، فهذه الآية الكريمة مستند كبير لإبطال شبهة الكفّار في مساواتهم بين الرّبا والبيع.
وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) لا نلاحظ فيه التّعرّض لدحض شبهتهم ببيان الفروق بين العمليتين، حتىّ لكأن هذا الجواب موجّه للمسلمين الذين يدينون بالحلال والحرام حتى يقتنعوا بما في تلك الشّبهة من الخطأ والمكابرة من طرف الكفار، لأنّ معرفة تلك الفروق هي في متناول كلّ من يُعمل الفكر والنّظر، ثمّ إنّ الله العليم الحكيم قد ترك معرفة ذلك إلى اجتهادات النّاس، علماً بأن العمليتين لا تأخذان صورة واحدة ممّا كان مألوفا في وقت التّنزيل، والله يعلم ما سيُحدثه النّاس من الأساليب المختلفة في معاملاتهم، فلا داعي إلى التّفصيل والبيان.