نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٠٠تبدأ القصّة بالاستفهام الإعلامي: (هَلَ) الذي يدل على تحقيق الوقوع وعلى التنويه بالمخبر عنه وتهيئة الأسماع لتسمع تفاصيله، وصف الله القادمين على إبراهيم بأنهم ضيف مكرَمون ويطلق الضيف على الواحد والجمع، فهم مكرمون عنه الله لأنهم من ملائكته المقربين قال تعالى: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ) (الأنبياء:26). ولم يحدّد النصّ عددهم، وقد استقبلهم إبراهيم بما يستحقّه الضيف من التبجيل والإكرام، فما كادوا يدخلون عليه ويسلّمون حتى ردّ التّحية بأحسن منها، ويتمثل ذلك في التعبير بالجملة الاسمية محذوفة المبتدأ: (قَالَ سَلاَمٌ). وقوله خفية في نفسه: (قَوْمٌ مُّنكَرُونَ)، لأنه كان لا يعرفهم، فهم ملائكة في زيّ غلمان مرد حسان الوجوه، ويبدو كرم إبراهيم وسخاؤه في دخوله المباشر على أهله لإحضار الطعام لهم: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)، ويدلّ على ذلك العطف بالفاء، و (رَاغَ): بمعنى توجّه إلى أهله، ووصف العجل في سورة هود بأنه: (حَنِيذٍ) (69). أي مشويّ مما يدلّ على المستوى المحترم لعيشة إبراهيم.
(فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَاكُلُونَ): وكان من تمام الضيافة أن يقوم المضيّف على خدمة ضيوفه أثناء تناولهم للطعام، وهذا ما فعله إبراهيم حين قرّب العجل المشويّ إلى ضيوفه وحرّضهم على الأكل، ولكن هؤلاء امتنعوا عن الأكل -وذلك من طبيعة الملائكة-، مما يؤكد عدم معرفته إياهم حتى وهو نبي مرسل، وبالرغم من تأمينهم إياه بإلقاء السلام عند الدخول، توجّس منهم خيفة، أي شعر في داخل نفسه بالخوف من أمرهم. قال تعالى في سورة هود: (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) (70).