نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٠١(قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ): عندما شعر الملائكة بخوف إبراهيم منهم طمأنوه بأنهم ملائكة الله أرسلهم إليه ليبشروه بأنه يولد له ولد من زوجه ساره، والتعبير: (بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ) هو على اعتبار ما يكون عليه ذلك الولد من قوة البدن وذكاء العقل، والولد المبشر به هو إسحاق عليه السلام.
(فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ): قوله تعالى: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ) يدلّ على أنها كانت تتابع حديث الملائكة باهتمام من وراء الحجاب، ولذلك تعجبت مما سمعته من تلك البشرى فصاحت وضربت وجهها بكفّيها كما تفعله النساء عند سماع ما يستفزهن من أخبار عجيبة، ولم تخف حيرتها من إمكانية تحقيق تلك البشرى وهي امرأة عجوز عقيم. وقيل: إنها تجاوزت التسعين من عمرها.
ولكن الملائكة هدّأت من روعها وطمأنتها بأن ذلك ما قضى الله وحكم به فلا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه، قال تعالى: (قَالُوا كَذَالِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ).
أي ليس هذا من أمرنا، ولكنه أمر الله وحكمه، فهو الحكيم في تقدير ما يصلح لخلقه وهو العليم بسرّهم وعلانيتهم.
وإلى هنا يسدل الستار على ما يخصّ إبراهيم من مهمة رسل الله، ولكنه لقوة حدسه وإلهامه أدرك أن وراء ذلك أمرا آخر يبدو خطيرا كلفهم الله به فقال لهم مستفسرا عما وراء البشارة: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمُ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ، لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ، مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ).