نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٢٠٩

قال تعالى: (وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)، مرة أخرى يعود السياق إلى التذكير ببديع صنع الله في السماء والأرض، كما افتتحت السورة الكريمة، وفي قوله تعالى: (وَفِي الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ)، (وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ). فابتدأ الله هنا بخلق السماء؛ لأنها ما تزال الفضاء الكوني العجيب الذي نشاهده ولا نكاد ندرك من أسراره أو نكشف من آياته إلا ما تحار فيه العقول وتكلّ فيه الأبصار، سيما ما تقدّم به علوم الفضاء اليوم، واستعار الله لخلق السماء فعل البناء، وأضفى على ذلك صفة القوة والمتانة، وأن الذي بناها هو ذو قدرة فائقة، فكيف يعجزه أن يعيد الخلق للناس مرة ثانية، وذلك أهون عليه كما قال: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (غافر:57).

ويحتمل -والله أعلم- أن تحمل الجملة: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) معنى التوسّع والامتداد في إعجاز علمي ما تزال الأبحاث الكونية تحاول أن تبرهن عليه، وأصل الفكرة أن الكون في حالة تمدّد مستمرّ ما دامت السماوات والأرض، إذ تولد نجوم ومجرات وتفنى أخرى.

(وَالاَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ): استعار لفظ الفراش لبساط الأرض وجعلها مهادا لحياة الإنسان والحيوان ذلولا لمن يمشي في مناكبها، بما شق فيها من سبل وفجاج، فنعم الماهدون نحن بما وفّرنا فيها من أرزاق وخيرات، وما ادخرنا فيها من معادن وكنوز، وفي التذييل بقوله: (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) إيجاء للمخاطبين بالثناء على الله لبديع صنعه ورأفته بخلقه، ومن بديع الإعجاز البلاغي في الآيتين الكريمتين، أن لا يكرر فعل البناء للأرض بل استعار لها فراش البيت لتكون أدعى للراحة والاستقرار بالنسبة للإنسان.

٥٬٦١٣ / ٦٬٢٠١