نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢١٤فرّع الله عن الإخبار السابق في بيان طبيعة الكفر الجحودية والتي لا تنتفع بالآيات والنذر، فرّع الأمر للرسول بأن لا يخجل بإعراضهم وأن لا يعنت نفسه في جدالهم، ثم فرّع إخباره بأنه غير ملوم على ذلك بعد ما استنفذ جهده في تبليغ الدعوة، وجاء الإخبار مؤكدا بصيغة الجملة الاسمية مع زيادة الباء في الخبر، زيادة في توكيد النفي وحتى لا يتوّهم أن مهمة الرسول قد انتهت كما ظن ذلك كثير من الأصحاب، عطف الله الأمر لرسوله بالتذكير أي بمواصلة مهمته التبليغية مهما عانده الجاحدون وعلّل الأمر بقوله: (فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُومِنِينَ). وذلك لإظهار العناية بالمؤمنين، وذلك بتعهّدهم باستمرار بما يستمعون إليه من المواعظ ترسخ عقيدتهم في الله وتزيدهم علما بأحكام شريعتهم، وأما غيرهم فأمرهم إلى الله في الحساب والجزاء.
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ):
على ذكر الفرار إلى الله وأمر رسوله بالتذكير، وبعد تلك الإنذارات والبشارات التي تخلل السورة الكريمة تأتي في آخرها هذه الآية الجامعة لتضع الإنسان أمام مسؤوليته ولتحدد له بدقة موقع وجوده في خضمّ ملكوت الله مع غيره من المخلوقات المكلفة العاقلة.
فهاتان الآيتان على قصر عباراتها تحملان من المعاني العميقة الحسّاسة ما جعلني أتهيّب من البدء في تفسيرها وذلك بعد أن حاولت التوفيق بين مختلف التفاسير قديمها وحديثها لأجد مسلكا وسطا بين التعقيد والإغراب بين المدلول اللغويّ والمصطلح الشرعي وبين التأويل الكلامي الفلسفي، ولعل هذا المسلك المختار قد تمثل في ما حرره المرحوم سيد قطب في الظلال ونسج على منواله الشيخ الإمام بيوض -رحمه الله- في "رحاب القرآن". يقول سيد قطب بعد مقدمة شاملة لبيان موقع الإنسان من الناموس الأعظم الذي ينتظم الكون يقول: "إن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين: