نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢١٥أ) - الأول هو استقرار معنى العبودية لله في النفس، أي استقرار الشعور على أن هناك عبدا وربّا، عبدا يعبد وربّا يعبد، وأن ليس وراء ذلك شيء، وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار، ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود، وإلا ربّ واحد والكل له عبيد.
ب) - والثاني: هو التوجّه إلى الله بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة، التوجه بها إلى الله خالصة، والتجرّد من كل شعور آخر، ومن كل معنى غير معنى التعبّد لله.
بهذا وذاك يتحقق معنى العبادة، ويصبح العمل كالشعائر، والشعائر كعمارة الأرض، وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله والجهاد في سبيل الله كالصبر على الشدائد والرضى بقدر الله كلها عبادة، وكلها تحقيق للوظيفة الأولى التي خلق الله الجن والإنس لها".(1)
قلت: وبهذا المفهوم الشامل لمعنى العبادة نتخلّص مما آثاره المفسّرون من تأويلات لا تخلو من تكلف أو تعسّف -أحيانا-، وقرن الله الجنّ مع الإنس لأنهم مكلّفون مثلنا، وإن كنا لا ندري كيف يمارسون عباداتهم، وفي البدء بذكرهم دليل على أن الله خلقهم قبلنا، وربما كانوا أكثر منا تمردّا على الله لوجود الشياطين من بينهم، والله أعلم.
ولنفي كل احتياج لله أو منفعة من تلك العبادة قال تعالى: (مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ).
ولما كانت ضرورات العيش من الرزق بصفة عامّة ومن الطعام بصفة خاصّة مما يكدّ من أجله الإنسان، فإن الله تعالى غنيّ عن خلقه فهو لا يطلب منهم مالا إن عبدوه كما يفعل السادة بعبيدهم، وليس في حاجة إلى إطعام -حاشاه- كما يفعل المشركون بتقديم القرابين إلى الآلهة.
(1) 1 - في ظلال القرآن: 27/ 26 و27.