نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٣٧الأمر مفرّع عما سبق من كون الناس يتفاوتون في مواقفهم من الدعوة الإسلامية ما بين مؤمن مصدّق وكافر جحود، وقد دأب المكذبون على وصف رسول الله بالكهانة والجنون مرة، وبالسحر والشاعرية مرة أخرى، فأراد الله تعالى أن يسلّي رسوله بنفي ذلك عنه نفيا مؤكدا، وللأوصاف الأربعة عندهم اتصال بالشياطين وهم مدفوعون إلى مثل تلك الاتهامات لرسول الله بما يجدونه للقرآن الكريم من التأثير في نفوسهم ببلاغته وإعجازه وهم في قرارة أنفسهم يدركون أنه ليس من قول البشر، ولكنهم لا يعترفون للرسول بأنه يوحى إليه من السماء. فأكد الله نفي تلك الصفات عن رسوله بالباء الزائدة في الخبر وبيّن سبب ذلك بقوله: (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ)، فالباء للملابسة، وجيء بوصف الرّب، مضافا إلى كاف الخطاب، للدلالة على رعاية الله ولطفه برسوله، وللتشريف والتعظيم، وقيل: إنه ردّ على مقولة كل من شيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط، وكفى لرسول الله شهادة الله له بأنه محفوف برعاية الله، كفاه بذلك تسلية وتثبيتا.
ويستنكر أنه شاعر فيقول: (اَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ)، وتهمته الشاعرية لصيقة بالتهمتين السابقتين من الكهانة والجنون فهم يعتقدون أنّ لكل شاعر رئيا من الجنّ، وأما تربّص الموت به فذلك ما ردّدوه لبعضهم في دار الندوة حكته الآية إذ قالوا: هو شاعر تربّصوا به ريب المنون، فسيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى. والمنون من أسماء الموت ومن أسماء الدّهر، فلم تأت الإجابة ردّا على تلك الشبهة، بل جاءت تلقينا للرسول أن يردّ عليهم باستخفاف وتحدّ فيه نوع من التهديد المبطّن فقال: تربّصوا إني معكم من المتربصين، أي سواء عندي تربّصكم وعدمه، فإني أتربّص معكم عاقبة أمركم بما يقضي الله فيكم، فتعلمون لمن تكون العاقبة بالنصر والتمكين.