نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٣٨(أَمْ تَامُرُهُمُ أَحْلاَمُهُم بِهَذَآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ): الأحلام هي العقول الكاملة، وكانت قريش تعدّ نفسها في ذروة رجاجة العقل وتمام الحكمة، إذ كانت العرب تند إليهم من أنحاء الجزيزة كلها في موسم الحج فيتمنون الأسواق للمفاخرة في الشعر والفصاحة ويكفيهم فخرا أن نزل القرآن بلغتهم، ففي قوله تعالى: (أَمْ تَامُرُهُمُ أَحْلاَمُهُم بِهَذَا)، سخرية لاذعة إذ أوصلتهم عقولهم إلى مثل ذلك الهراء مما وصفوا به رسول الله، ونحن في لغتنا العادية نستعمل مثل ذلك الأسلوب فتقول مثلا لمن نعتقد فيه كمال العقل وقد صدر عنه ما يلام عليه فنقول له: أعقلك أو أعلمك أوصلك إلى هذا؟. أيّ عقل لمن لا يميّز بين الحق والباطل؟.
(أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ): أي بل هم قد تجاوزوا كل حدّ في بغض النبي وفي الحسد الذي أعمى بصائرهم فلم يدركوا ما يقولون ووقعوا في ذلك التناقض السافر في شأن رسول الله، حتى ادّعوا عليه الكذب والافتراء وهم بالأمس كانوا يلقبونه بالصادق الأمين.
(أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُومِنُونَ، فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ): تقوّل الكلام، أي افتراه واختلقه من عنده، اتهموا رسول الله بذلك زيادة على الاتهامات السابقة، وبعد الاستنكار لتلك التهمة بادر إلى بيان دوافعها في نفوسهم بأنه عدم الإيمان بحقيقة القرآن، فهم يتعاملون معه كأنه كلام عاديّ من صنع البشر، ولذلك تحدّاهم أن يأتوا بحديث مثله في المبنى والمعنى إن كانوا صادقين في دعواهم، وقد تكرّر هذا التحدّي في القرآن فوقفوا عاجزين كما وقف غيرهم من البشر إلى يوم الدين.