نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٢٥١

تلك الظاهرة الروحانية العجيبة التي جاء هذا الاستئناف البياني لإجلائها كما عاشها رسول الله بمشاهدة عينه ورفرفة قلبه، جاءت الجملة مؤكدة الإثبات بصيغة الحصر، والضمير: (إِنْ هُوَ) عائد إلى معلوم من السياق، أي القرآن وما ينطق به الرسول، والوحي قد تقدم التعريف به، و (يُوحَى) جملة نعت للتوكيد ولبيان.

كيفية نزول الوحي عليه قال تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالاُفُقِ الاَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوَ اَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى).

(عَلَّمَهُ): علّم يتعدى إلى مفعولين، والهاء: ضمير الغائب يعود إلى الوحي، والتقدير: علّمه إياه، أي علمه إياه جبريل عليه السلام، ووصف بالروح الأمين في قوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) (الشّعراء:193 - 194). فهو تعليم مباشر سمعه الرسول ورآه، وذلك في مبدأ نزول الوحي، تتابعت أوصافه بالقوة الشديدة ينفذ بها ما يأمره به الله وقد ورد في الحديث الصحيح: «أن له ستمائة جناح رفع بها قرى قوم لوط فجعل عاليها سافلها»(1). وهو الملك الأمين المكلف بالتنزيل على الرسل.

(ذُو مِرَّةٍ) بكسر الراء، تطلق على القوة البدنية وعلى حصافة العقل وحكمته، واستواؤه على الأفق الأعلى، كان على خلقته الأصلية حين رآه النبي صلى الله عليه وسلموهو في غار حراء فنظر الرسول إلى الأفق وقد استوى عليه جبريل بخلقته الأصلية فأخذ يقترب منه شيئا فشيئا متدليّا من الأفق حتى كان أقرب ما يكون إليه بمقدار ذراع أو ذراعين وهو المقصود بتعبير: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوَ اَدْنَى)، وكان العرب يقيسون بالقوس والرمح المسافات الفردية،

(1) 1 - الحديث:

٥٬٦٥٥ / ٦٬٢٠١