نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٥٠ويأتي المقسم عليه بقوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)، الخطاب دائما لأمة الدعوة وبخاصّة مشركي مكة، اختار الله لفظ: "الصاحب" مضافا إلى ضمير المخاطبين، فهي صحبة المعاشرة والاحتكاك لا صحبة الصداقة، وهذا الاستعمال لكلمة "الصاحب" مشهور في لغتنا المستعملة، ولو كان المتصاحبان خصمين، كما ورد في حوار صاحب الجنة مع صاحب الفقير المؤمن: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) (الكهف:37). نفى الله عن رسوله ثلاث صفات:
أ) - (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى): وفي نفي الضلال عنه عليه السلام ردّ وإبطال لمزاعم المشركين بأنه ساحر مجنون أو شاعر كاهن؛ لأن الضلال هو عدم الاهتداء إلى الطريق السويّ، ولاستيفاء التنزيه لذاته الشريفة نفي عنه الغواية وهي أعمّ من الضلال لاقترانها بالنية والقصد كما تحدّى الله بذلك الشيطان اللعين عندما قال: (لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الاَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ) (الحجر:39).
ب) - (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى): والمراد بالهوى ميل النفس إلى ما تحبّه أن تفعله دون مراعاة لما يقتضيه العقل السليم، والتعدية بـ"عن" تفيد التجاوز، أي هو لا يتنكب عن الحق والصواب فيما ينطق به سواء كان قرآنا متلوا نزل عليه ليبلغه أو إرشادا وتعليما بسنته المطهرة وهذا من الصفات الكمالية لذاته الشريفة، فما الذي جعله بهذه المرتبة ومن الذي ألهمه ذلك الرّشد؟. إنه الوحي المنزّل عليه من عند لله بواسطة جبريل عليه السلام.
(إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالاُفُقِ الاَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوَ اَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى):