نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٢٧٣

(وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى): يحتمل أن تكون هذه الجملة في مشمولات ما في صحف موسى وإبراهيم فتكون معطوفة على ما سبق، ويكون فيها الخطاب لغير معيّن، ويحتمل أن لا تكون من تلك المشمولات فيكون الخطاب لرسول الله على وجه التكريم والتشريف. و (الْمُنتَهَى): مصدر ميميّ، لنهاية كل شيء بالمعنى العامّ للآية فمنه تعالى بداية الوجود كله وإليه نهايته يوم القيامة ثم يحكم فينا بما يريد. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة العلق: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) (8). وإني لأستروح من هذه الآية معنى خفيّا لما تؤول إليه مسيرة الإنسانية بعد أن تصل إلى غاية نضجها العقلي الذي يهديها إلى الإيمان بالله وإدراك عظمة من خلال النظر في الكائنات، فينتهي بها المطاف إلى الإذعان والإنصاف بأن لله وحده الخلق والأمر.

ثم ينتقل السياق إلى الاعتبار بأحوال الحياة الدنيا التي يتصرف لها الناس بتدبير من الله الحكيم ليداول الأيام بين الناس ويقلبهم في السّرّاء والضّراء فقال: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى). إنها جملة قصيرة في مبناها عظيمة في معناها لأنها تصوّر ظاهرة نفسية معقدة في ذات الإنسان في حالتين متضادين من سرور وحزن لكل منها أسبابه ودواعيه في النفس البشرية، وليس ذلك لأيّ حيوان آخر، وما تزال أسرار تلك النفس العجيبة مستعصية في كثير من جوانبها على العلماء ذلك لأنها نفحة من روح الله في ذات الإنسان وهو أعلم بما يختلج في ثناياها، وذلك ما يدل عليه الفعل: (أَضْحَكَ وَأَبْكَى)، فكم من الضاحكين والباكين في اللحظة الواحدة في الزمان وفي البقعة الواحدة من المكان في الحياة الدنيا، بل الإنسان الواحد قد ينقلب بين الحالتين في ذات الظرف الزماني أو المكاني لاختلاف المؤثرات فيهما يقول الشاعر:

كم يوم بكيت فيه، ولما … صرت في غيره بكيت عليه

٥٬٦٧٧ / ٦٬٢٠١