نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٧٦(وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى): حذف المعمول ليعمّ كل شيء، فعلى نسق التقابل بين المتضادات في الآيات السابقة يتجه المعنى في: (أَقْنَى) أن يكون بمعنى "أفقر" غير أن اللفظ له معان أخرى هي أرجح من معنى الفقر منها الجمع والادخار، وبمعنى: أخدم، مشتق من اليقين أي العبد، ومنها عن ابن عباس: أرضى الذي أعطاه بما أغناه. وإسناد الإغناء والإقناء أو الإفقار إلى الله وحده هو للتنبيه إلى واجب الشكر للمنعم. إذ أن أكثر الناس يغفلون عن مقسّم الأرزاق وموفّر الأسباب في ذلك. ويقال: إن القينة هي المال الشريف الباقي كالأصول والعقارات والإنسان من طبعه يحبّ الادخار ويطمئن إليه أكثر.
(وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى): انتقالي إلى بيان ربوبية الله وقدرته في تصاريف الكون، وأن الخلق مهما طغوا وتجبّروا فإنه تعالى قاهر فوق عبادة ولما كانت: (الشِّعْرَى) من أشهر النجوم التي عرفها الناس منذ القدم وعبدها البعض منهم، وذلك من مظاهر الشرك التي أهلك الله بسببها من أهلك من الأمم السابقة، فإن ذكرها في مقدمة البيان الأخير للنصّ يعتبر في غاية المناسبة فإن هذا النجم المعبود من دون الله ليس بأعظم أهمية من النجوم الأخرى التي يسخّرها الله بقدرته، فالتقرير بأن الله هو ربّها وخالقها يتناسب -أيضا- مع افتتاح السورة بالقسم بالنجم إذا هوى، وفي ذلك إبطال لعقيدة الشرك التي كانت سببا لمصارع العابدين التي جاء ذكرها ختاما للسورة الكريمة فقال تعالى:
(وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الاُولَى، وَثَمُودًا فَمَآ أَبْقَى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمُ أَظْلَمَ وَأَطْغَى، وَالْمُوتَفِكَةَ أَهْوَى، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى):