نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٢٧٥

(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالاُنثَى، مِن نُّطْفَةٍ اِذَا تُمْنَى): إنها النشأة الأولى الدالة على قدرة الله في بديع صنعه لهذا الإنسان وما ميّزه به من تفكير وإدراك وما خصّه به من مقدرة وعمل، كيف جعل الله نسله من سلالة من ماء مهين، كيف أن تلك النطفة من ماء الرجل تراق فإذا هي بتدبير الله بعد لقاحها ببويضة المرأة تستقر في رحمها جنينا يتقلب في أطواره وتحمل خصائص الذكر أو الأنثى وفق تدبير الله ومشيئته فإذا هي بشر سويّ بكل خصائصه وتعقيداته، إنه صنع الله البديع الذي أحسن كل شيء خلقه، جعل هذه النشأة الأولى العجيبة والتي لا يرتاب فيها الجاحدون جعلها دليلا على قدرته على النشأة الآخرة على الكيفية التي لا نعلمها، ونحن ما نزال عاجزين على إدراك كنه الحياة التي نحن عليها على ظهر هذا الكوكب، فما بال الحياة على ظهر الكواكب الأخرى إن وجدت في أرجاء الكون الفسيح؟؟ …

قال تعالى: (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الاُخْرَى): جاء التعبير بقوله: (وَأَنَّ عَلَيْهِ) مما يدل على أن بعث الخلائق ليوم الحساب والجزاء حق واجب عليه -ولا واجب على الله- وإنما أوجب ذلك على نفسه لأنه مقتضى حكمته وعدالته المطلقة في خلق السماوات والأرض، هذه النشأة الثانية التي كذب بها المشركون وخاصموا الله تعالى فيها هي وإن كانت ما تزال غيبا فإن لها من حياتهم الأولى دليلا قاطعا على وقوعها كما أخبرنا الله بذلك في قوله: (كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء:104).

فإن الجزاء الأوفى للمحسنين والمسيئين لا يتمّ إلا في موقف الحساب يوم القيامة حيث تكون الحياة الحقيقية التي لا تزول ولا تفنى.

٥٬٦٧٩ / ٦٬٢٠١