نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٣٢٥

وفي الرفع المعنويّ دلالة على علوّ المنزلة وشرف القدر، فهي حاضنة الملإ الأعلى من الملائكة، وهي مصدر وحي الله وقضائه وهي أيضا مجال ما وعدنّا الله به من نعيم الخلد أو عذاب الجحيم لقوله تعالى: (وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) (الذاريات:22). وقرن الله بها وضع: (الْمِيزَانَ) الذي هو في الأصل اسم لآلة الوزن، ويستعار للعدل، وهو المقصود به هنا، وقرن ذلك برفع السماء لبيان معنى الحقّ الذي قامت عليه السماوات والأرض، ويلاحظ أنه تعالى عبّر بنفس الفعل: (وَضَعَ) عن الأرض، ليتمّ الربط بين ميزان الله العادل والمتمثل في إنزال شرعه وأحكامه من السماء التي هي مصدر الحق والعدل إلى الأرض التي وضعها لعباده حتى يرتبطوا بميزان الله العادل في تدبير شؤونها واستغلال خيراتها، فلا يطغوا ولا يجوروا ولا يبخسوا الناس أشياءهم في معاملاتهم ومبادلاتهم، وذلك هو معنى قوله: (أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ). يقول الدكتور وهبة الزحيلي في تفسيره المنير: "ويلاحظ أنه سبحانه أمر أولا بالتسوية، ثم نهي عن الطغيان الذي هو مجاوزة الحدّ بالزيادة، ثم نهي الخسران الذي هو النقص والبخس".(1)

قلت: وفي معنى هذه الآية قوله تعالى في سورة الحديد: (لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (25).

ثم بيّن الله نعمه على خلقه في الأرض، وعبّر بالوضع -كما تقدم- وهو يقتضي الخلق ويقابل الرفع للسماء الوضع الذي هو بمعنى الخفض فقال: (وَالاَرْضَ وَضَعَهَا لِلاَنَامِ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الاَكْمَامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ).

(1) 1 - التفسير المنير: 27/ 198.

٥٬٧٢٩ / ٦٬٢٠١