نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٣٣٦(يَا مَعْشَرَ): نداء للمجتمع الكثير والنّداء من قبل الله في ذلك الموقف المهول بين حشر الخلائق كلها وهم في قبضة الله لا يملكون من أمرهم شيئا، فلا مهرب ولا منجى من حكم الله وقضائه فيقال لهم بأسلوب التعجيز والتحدّي: إن قدرتم على الانفلات والهروب من أقطار السماوات والأرض، أي من أطرافها وجوانبها فافعلوا، ولا شك أن أهل الضلال يكونون يومئذ في خوف ورعب لما سيلحق بهم من العذاب، وفي ذكر السماوات والأرض تصوير للإحاطة الشاملة من كلّ الجوانب بحيث يكونون كالمحاطين في معتقل محروس ليس فيه منفذ للهروب. وقوله تعالى: (فَانفُذُوا): أمر تعجيزي زاده بيانا بقوله: (لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ)، أي بقوة فائقة تكون لكم وليست إلا لله القويّ القاهر.
وأرى من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ذلك الإنجاز البشريّ الهامّ في مغالبة القوة الجاذبية للأرض بالدفع الصاروخي للخروج من أقطار الأرض إلى الفضاء الخارجي في المجموعة الشمسية، وقد أقدر الله هذا الإنسان أن ينجز ذلك بوسائله العلمية المحدودة، وهو يندرج -والله أعلم- في الاستثناء من قوله: (لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ).
ولكن حين مازج ذلك الإنجاز العلمّي العظيم عنصر التحدّي في رحلة سفينة الفضاء "شالنجر" الأميركية وعلى متنها سبعة روّاد من ضمنهم امرأة، و"شالنجنر" معناه التحدّي بالإنكليزية. قلت: حين تحدّوا الله بهذا الإنجاز كانت الإجابة هي ما جاء في الآية اللاحقة: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).
وهذه الإجابة الرّبّانية هي لبيان نوعية العقاب المهدّد به في الآية السابقة ويتمثل ذلك في شواظ النّار وفي دخانها المرعب اللذين يلاحقانهما حيثما حاولا الانفلات فلا منفذ ولا ناصر.