نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٣٥٤(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ): افتتحت السورة بـ"إذا" وهو ظرف لما يستقبله من الزمان متضمن لمعنى الشرط، وقد جاء فعل الشرط بصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع، وقوله تعالى فيه: (وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) فيه من التهويل والتضخيم ما يجمل السامع بتشوق إلى معرفة الجواب، فيه افتتاحية تناسب ما يأتي بعدها من الأحداث الجسام في عرض مشهد الانقلاب الكوني عندما تقوم الساعة، يعرضها قبل ذكر جواب الشرط ليكون ذلك أدعى للتشويق والتنبيه، ويأتي قوله تعالى: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ) في استئناف بياني لجملة: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)، أي وقعت الساعة بما يصحبها من أهوال كأنها أثقال عظام تسقط لتحطم ما تقع عليها، فهي واقعة لا محالة، فلا يكون عند وقوعها مراء ولا تكذيب كما قال تعالى في سورة الحاقة بعد وصف مهول للانقلاب الكوني قال: (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَانشَقَّتِ السَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ) (الحاقة:15 - 16). فيومئذ لا مجال للإنكار والتكذيب كما كان في الدنيا لأن المشاهدة والمعاينة لما يقع تقضي على الشك والوهم فما راء كمن سمع، وحين تقع فإنها تقلب كل الموازين التي ألفها الناس في حياتهم العاجلة فهي كما قال تعالى: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)، أي هي خافضة لأقدار أناس كانوا ظاهرين على غيرهم في دنياهم، وهي رافعة لأقدار أناس كانوا مغمورين في نظر أقوامهم، والوزن يومئذ الحق في ميزان الله. ولله المثل الأعلى، إذ عشنا في القرن الماض -القرن العشرين- وقائع عظيمة في حربين عالميتين طاحنتين، خفضت أقدار أمم كانت طاغية مستكبرة، ورفعت أقدار أمم أخرى كانت مستضعفة مغمورة، فكيف بالطامَة الكبرى إذا جاءت.
(اِذَا رُجَّتِ الاَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنْبَثًّا، وَكُنتُمُ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً):