نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٤٠٧(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُم بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ): وهكذا يفصل بين الفريقين بحاجز الله أعلم بماهيته، والله وصفه بأن له بابا يختلف ما بظاهره عما في باطنه ما بين النّعيم والعذاب، ولعله -والله أعلم- تجسيد لأعمال الفريقين في الدّنيا من إيمان وكفر وصلاح وفساد، والباب واحد هو الموت كما ذهب إلى ذلك الإمام ابن عاشور، وأحكام تلك الدّار ليست كهذه، وقد زاد الإمام فعلّق على ذلك قائلا: "ولعل جعل الباب في سور واحد فيه مع ذلك ليمرّ منه أفواج المؤمنين الخالصين من وجود منافقين بينهم بمرأى من المنافقين المحبوسين وراء ذلك السّور تنكيلا بهم وحسرة حين يشاهدون أفواج المؤمنين يفتح لهم الباب الذي في السّور ليجتازوا منه إلى النّعيم الذي بباطن السّور".(1)
قلت: وقد مارس الجلادون الطّغاة مثل تلك الأساليب من الفصل بين أنواع المعتقلين لتسليط بعضهم ضدّ بعض وكسر معنوياتهم ونزع الاعترافات منهم. فلم يبق للمنافقين إلا نداء الاستغاثة بالمؤمنين: (أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ). هم يطلبون اللّحاق بهم والانضمام إلى جماعة المؤمنين بدعوى أنهم كانوا يشاركونهم في أعمال الإسلام، وإذ كانت مشاركة صورية ظاهرية، فقد كانت الإجابة بـ"بلى" إيجابية، ولكنها أعقبت بالاستدراك الذي يدفع توهّم المنافقين من أنّ التّوافق في أعمال الإسلام الظاهرية تكفي في نجاتهم من العذاب.
ولتأكيد خسرانهم ذكر المؤمنون لهم أربعة أمور كانت سببا للتفريق بينهم وهي:
أ) - (فَتَنتُمُ أَنفُسَكُمْ): أي بقيتم في شكٍ وارتياب فانصرفتم عن الهداية والحق وأضمرتم الحقد والبغض لنا.
ب) - (وَتَرَبَّصْتُمْ): حذف مفعوله ليشمل جميع أنواع التّربّص، بتدبير أنواع الأذى والمكر بالمسلمين وانتظار الهزائم لهم أو انقسام كلمتهم … الخ.
(1) 1 - التّحرير والتّنوير: 27/ 384.