نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٤٢٠فبعد أن بيّن الله أحوال الدّنيا وأحوال الآخرة وتبعات الخلق إزاءهما، أعقبه بذكر الغرض من بعثة الرّسل في مسار التّاريخ البشري وأنه لتنظيم حياة المجتمعات إذ أيدهم بالبراهين القاطعة والمعجزات الخارقة، وأن محمدا صلى الله عليه وسلمليس بدعا من الرّسل في ما دعا إليه. بل الرّسالات واحدة في أصولها الدّاعية إلى وحدانية الله ومكارم الأخلاق. "أل" في الكتاب للجنس يشمل الكتب السّماوية كلها ومع الكتاب أنزل الله الميزان وهو مستعار للعدل بين النّاس وإنصاف حقوقهم وذلك بتطبيق أحكام الله وإقامة الأعمال والرّوابط الاجتماعية على معاييرها بعيدا عن تصارع الأهواء وتدافع المنافع.
(لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ): فثوابت الحق والعدل لا تطلب إلا في الميزان الإلهي الثّابت: (وَإِن تُطِعَ اَكْثَرَ مَن فِي الاَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَّتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمُ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (الأنعام:116).
ولابد لحماية أحكام الشّرائع التي تقيم العدل بين الناس من الوازع السلطاني لردع العابثين بتلك الأحكام ولضمان فعاليتها في واقع حياة الناس فقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَّنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
جاء التّعبير الإلهي بالإنزال لكل من الكتاب والميزان والحديد، وقد حاول المفسّرون أن يجدوا وجه المناسبة بين هذه الأشياء الثّلاثة، لأن الإنزال لا يكون إلا من عال لأسفل، فإذا كان ذلك مفهوما ومعقولا في إنزال الوحي وما يتضمنه من نشر الحق والعدل بين النّاس، وكلاهما من الرّوحيات، فما بال الحديد وهو مادة صلبة قويّة ممزوجة بمكوّنات الأرض؟.