نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٤٣٥

بعد بيان أحكام الظّهار والتّنديد على المتلبّسين به وبعد الثّناء على المؤمنين الأوفياء القائمين عند حدوده، وعلى ذكر حدود الله المبينّة بشرعه الواضح هدّد من يحادّون الله ورسوله بتجاوز تلك الحدود هدّدهم بالخزي والمهانة في الدّنيا والآخرة، كما كان ذلك مصير من قبلهم من المشركين، وذكّرهم بحقيقة علم الله الشّامل لكلّ ما في السّماوات وما في الأرض، فلا يخفى عليه شيء من أحوالهم في السّرّ والعلن، وهو يحصي عليهم كل ذلك يوم القيامة ليجازيهم عليه، قال تعالى: (إِنَّ الذِينَ يُحَآدُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدَ اَنزَلْنَآ ءَايَاتِم بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ).

تكون محادّة الله ورسوله -أي معاداته ومشاقته- بمجاوزة حدوده التي رسمها على منهاج شرعه السّويّ، وكثيرا ما يأتي التّعبير بحدود الله في القرآن بعد بيان أحكام مختلفة شرعها الله للناس في العبادات أو المعاملات، فالذين لا يتقيدون بتلك الحدود، هم يناصبون العداء لخالقهم وقد يملي لهم ويستدرجهم ولكنّهم محكوم عليهم بالذّلة والهوان في حياتهم الدّنيا مهما كانوا عليه من القوة والسّلطان، وقد فعل الله ذلك بأمثالهم من طغاة الأمم المتقدمة، وجاء التّهديد الإلهي بصيغة الماضي: (كُبِتُوا) لتحقق الوقوع، وقد نال الكفار والمنافقين ذلك الخزي على يد المؤمنين في غزوتي بدر والخندق.

قوله تعالى: (وَقَدَ اَنزَلْنَآ ءَايَاتِم بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) تقع الجملة موقع الحال للتهديد السّابق واللاحق، لقطع العذر عن أولئك المعادين لله ورسوله، فإنّه تعالى قد أقام عليهم الحجّة بما أنزله على رسوله من الآيات والبراهين السّاطعة تبين لهم معالم الطّريق وتبرر حدوده وهم يعلمون أنها الحق، والله يجازي كلّ متكبّر جبّار بما يهيّئه، وهو حكم عام يشمل جنس الكافرين.

٥٬٨٣٩ / ٦٬٢٠١