نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٤٣٧(اَلَمْ تَرَ): الخطاب للرسول ولكل مستمع للقرآن، والرّؤية علمية، وأن واسمها وخبرها قد سدّ مسدّ المفعول، والله تعالى يمهّد للتنديد بالنّجوى التي كان اليهود والمنافقون يتحرّشون بها على المؤمنين، يمهّد لذلك بتقرير ما يجب أن يستقرّ في عقائد خلقه من إحاطة علمه بكلّ ما في السّماوات وما في الأرض ما نبصره وما لا نبصره، بحيث لا يخفى عليه شيء مما فيها صغيرا أو كبيرا معلوما أو مجهولا، وذلك بصفة عامة في أرجاء الكون الفسيح. ثم تدرّج إلى ما يخصّ أحاديث النّاس في مجالسهم حيث يختلي البعض في زاوية يتناجون في ما بينهم في خير أو شرّ ويظنون أنهم بعداء عن الأسماع، ولكن الله حاضر معهم، فإن كانوا ثلاثة فالله رابعهم، وإن كانوا خمسة فالله سادسهم، وإن كانوا أقلّ من ذلك أو أكثر فهو معهم حيثما يكونون يعلم سرّهم ونجواهم.
ولا شك أنّ القلب البشري مهما ضعف فيه الوازع الإيماني فهو يتأثر ولا يتجاوب مع هذه الصورة الحيّة التي تهز أوتاره، وتفسح له مجال التّأمّل والتّناغم مع تلك الحقائق الوجودية الكبرى.
وقد حاول المفسّرون أن يعلّلوا ذكر الثّلاثة والخمسة وإهمال العدد الزّوجي بينهما، فيرى ابن عباس أنّها تصوير للحالة الواقعية التي نزلت بسببها الآية إذ قال: إنّ ربيعة وحبيبا ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوما يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما تقول؟، فقال الآخر: يعلم بعضا، ولا يعلم بعضا، وقال الثّالث: إن كان يعلم بعضا فهو يعلم كله، فنزلت.
والواقع أن هؤلاء المتناجين يكوّنون حلقا تتسع وتضيق. قال تعالى: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، أي يقيم الحجة عليهم بما تكلموا به في الدّنيا وقد يعتريهم نسيانه ولكن الله لا ينسى فيجزيهم بما عملوا يوم القيامة، مما يدل على أن ما ارتكبوه من تلك النجوى هو إثم عظيم.