نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٤٨٥نلاحظ في هذه الصّفات الأربعة مستلزمات الملك من القهر والغلبة وعزة السّلطان، فالمهيمن يعني الرّقيب، الحفيظ، فلا تتصور عزة الملك بدون رقابة وتمام الإشراف على كلّ أطراف المملكة وعلى أحوال النّاس، فنحن نرى كيف تكون أحوال الجماهير عندما يشعرون بضعف سلطة الدّولة، مما ينشأ عن ذلك من اضطراب الأحوال واستفحال الفوضى، والرّقابة وحسن المحافظة على دواليب الحكم يقتضيان القهر والغلبة وسطوة الحكم وهو جبّار للموجودات كلها على ما أراده من خلقها، فهي تخضع لإرادته ومشيئته وتتصرف وفق سننه الملزمة، وهو المتكبّر، الشّديد الكبرياء في عظمته وجلاله يصغر كل شيء أمامه وقد جمعت هذه الصّفات جانب التّرهيب والتّخويف وجانب الرّجاء والطّمع.
(سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ): تعقيب بالتّنزيه لذات الله تعالى.
(هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): هذه الصّفات الأخيرة متقاربة في المعنى -أيضا- فالخلق من الصّفات الذّاتية للإله الحق، لا يشاركه فيها أحد قال تعالى: (أَفَمَنْ يَّخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَّكَّرُونَ) (النّحل:17).
والخلق: هو إيجاد شيء على صورة مخصوصة أي ما نسميه اليوم بالتّصميم، بينما البرءُ هو الإخراج والتنفيذ والتّصوير هو إعطاء الملامح المميزة للشيء، فالفرق دقيق جدّا بين الألفاظ الثّلاثة قال تعالى: (هُوَ الذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الاَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:6). والله وحده يعلم كيف تتدرج الخلقة بين تلك الأطوار، ولا يستطيع الإنسان مهما بلغ من البحث العلميّ أن يدرك الفروق الجوهرية بين تلك المراحل والأطوار.