نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ٦٨بعد أن شرع الله أحكام الطلاق ولواحقه مما يجب للمعتدة من النفقة والسكنى ومن الأجر في حالة الإرضاع للولد، وحذر المؤمنين عن تجاوز حدود الله في ذلك، توعد الله وذكّر بالمصير البائس الذي ينتظر الذين عتوا عن أمر ربهم ورسله فلم يطيعوا ولم يستجيبوا، ثم حرّض المؤمنين على التقوى ووعدهم بالغفران والرضوان وبحسن الرزق في نعيم الجنة مذكّرا بجليل علمه وعظيم قدرته، فقال:
(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنَ اَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكُرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا): إن ما تخلل أحكام الطلاق ولواحقه في هذه السورة من أنواع التحريض على التقوى والتحذير من مجاوزة حدود الله في ما شرع من أحكامه ثم ما أعقبه هنا من التحذير في الوقوع في ما وقعت فيه الأمم التي عتت عن أمر ربها ورسله من شرّ العاقبة وسوء المصير كل ذلك لتفادي الوقوع في مخالفة أمر الله باستتفال تلك التكاليف أو التهاون في تنفيذها، وهي تتطلب التضامن الجماعيّ على مستوى المجتمع المسلم كله، فأمر الزواج والطّلاق لا يخصّ الأسرة وحدها، بل هو أمر يهمّ الأمّة كلّها، وبالتالي فأيّ تقصير وأية مخالفة عن أمر الله في هذا الشأن فإن الجماعة كلها تكون معرضّة لسخط الله ونقمته، ولذلك جاء هنا ذلك التحذير الجماعي بالتذكير بما حلّ بأقوام لقلة اكتراثهم بأمر الله فأصابهم من النكال الدنيويّ ما خسروا به حياة الأمن والاستقرار فذاقوا وبال أمرهم وما ينتظرهم من العذاب الأخرويّ أقسى وأشدّ.
(وَكَذَالِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ اِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102).