نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ٩٥الموت والحياة ظاهرتان مألوفتان عند البشر وأنهما في الواقع حياتان وموتان، الحياة الدنيا والحياة الأخرى والموت السابق على الحياة الأولى والموت اللاحق بعده وقد راعى النصّ القرآني الترتيب الطبيعي فبدأ بالموت لأن المخلوقات كلها كانت منعدمة فأوجدها الله بقدرته كما قال تعالى: (وَكُنتُمُ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة:28). ولما كان أكثر الناس في غفلة عما في تلك الظاهرتين من غاية وقصد جاء التعليل بقوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً): وفي ذلك معنى التكليف الذي تحمّله الإنسان، والمعنى أن ليس ذلك الخلق من الله لهوا أو عبتا وإنما هو للإبتلاء والإختبار لإظهار المكنون في علم الله من سلوككم وأحوالكم للناس على الأرض وما يترتب على ذلك من استحقاق الجزاء على العمل، ومن شأن هذا التّصوّر إذا وعاء الناس واستقرّ في ضمائرهم فإنهم يكونون في يقظة وحذّر فيتنافسون في تحقيق غاية وجودهم، ومن ثم يجيء التعقيب بقوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ): ومع عزة الله وقوته وغلبته فهو الغفور التسامح، لا يحمل عباده على العنت والقنوط، وهذه الآية والتي بعدها بيان تفصيلي لما ورد في افتتاحية السورة من الملك المطلق لله تعالى وتصريفه له، فقال:
(الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبِ اِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ):