نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٩

وفي هذا التّقسيم للمتشابه يقول الإمام الشّاطبي: "فالتّشابه حقيقي وإضافي، فالحقيقي ما لا سبيل إلى فهم معناه، وهو المراد من الآية، والإضافي ما اشتبه معناه لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر، فإذا تقصّى المجتهد أدلّة الشّريعة وجد فيها ما يبيّن معناه، والتّشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدّاً في الشّريعة، وبالمعنى الإضافي كثير".(1)

وقد جاءت آيات تصف القرآن بأنّه كلّه متشابه في قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) (الزّمر:23)، فلا تناقض بين الآيات إذ المقصود من التّشابه هنا أنّه يشبه بعضه بعضاً في الحقيقة والهداية، وفي الحسن والبلاغة.

(فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَاوِيلِهِى): على تقسيم آيات القرآن إلى محكم ومتشابه يجيء هذا التّفصيل لبيان موقف النّاس في تعاملهم مع المتشابه، لأنّ المحكم لا جدال فيه ولا خلاف في تلقّيهم إيّاه.

وسبب اختلاف النّاس في تلقّي الآيات المتشابهات يرجع إلى استقامة فطرتهم أو زيغها، فبدأ بالذين في قلوبهم زيغ، وهو وصف مناسب لأحوال هذا الإنسان المتقلّب الجهول، والقلوب هي مستودع الإدراك والتّلقّي، وهي قابلة للتّزكية أو التّدسية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب».(2)

(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 1/ 156.

(2) 1 – رواه البخاري من حديث النعمان بن بشير، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه وعرضه، حديث 52، 1/ 28.

٦٠٢ / ٦٬٢٠١