نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ١٩٦(وَإِنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ اُرِيدَ بِمَن فِي الاَرْضِ أَمَ اَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا): فقد أخرج أحمد والتّرمذي والنّسائي عن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السّماء يستمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوا فيها فيكون باطلا فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النّجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعص جنوده فوجدوا رسول الله قائما يصلّي بين جبلين بمكة فأتوه فأخبروه فقال: «هذا هو الحدث الذي حدث في الأرض»(1).
قلت: وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة الشّعراء: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ* وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ* إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (210 - 212).
نعم: إنها إرادة الله ووعده في حفظ كتابه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فأقام ذلك السدّ المنيع بين شياطين الإنس والجن، فها هم الجن يعلنون صراحته بأنهم لا يعلمون شيئا من الغيب فهم لا يعلمون ما قدره الله لعباده في الأرض بذلك الإجراء السّماويّ أقدّر لهم أن ينزل بهم الشّرّ أم أنه تعالى قدّر لهم الرّشد والخير، والأمر موكول إلى الله وحده، فقد انتهى أمر الكهانة وادّعاؤها بمعرفة الغيب وبذلك يتحرّر العقل البشري من الخرافات والأوهام إذ وجد رشده في القرآن الكريم، وما ألطف تعبير الجن في عدم نسبتهم الشّر إلى الله في مقابل نسبتهم الرّشد له، وذلك دليل على تغلغل الإيمان في قلوبهم.
(1) 1 - الحديث: