نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ١٩٩وعلى ذكرهم لحقيقة الإيمان وثمراته في سلوك المؤمن، فإن الجنّ يقرون بالجزاء الأخرويّ على الهدى والضّلال، وهم يركزون في معرفتهما على التحدّي والبحث والتّمحيص، وذلك هو ما إعتمد عليه فريق المسلمين منهم للتوصل إلى معرفة الهدى والرّشاد، فكان إسلامهم مبنيا على النّظر والتّأمّل يتركز على القناعة الذانية بحقائقه وعدل أحكامه، بينما القاسطون المنحرفون عن منهج الله فمصيرهم إلى جهنم يكونون وقودا لها تماما كما ينطبق ذلك على بني الإنسان.
وعلى ذكر الجزاء الأخرويّ على لسان الجن، بيّن الله سنته في مكافأة خلقه في الدّنيا إذا سلكوا سبيل هدايته فقال:
(وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقًا* لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُّعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا):
يبدو أن هذه الآية منفصلة عن ..... الجن، فيكون التّقدير: و (اوحِيَ إِلَيَّ): الخ .... والضّمير في قوله: (لَّوِ اسْتَقَامُوا): إما أن يكون راجعا إلى النّاس كلهم ويفهم ذلك من السّياق أو يكون راجعا إلى القاسطين، والطّريقة هي ملة الإسلام، لو استقام النّاس واتبعوا هديها كما أمرهم الله لكان من نتيجة ذلك الإنعام من الله بأنواع الخيرات، والتي من أسبابها تزول الأمطار وتوفر المياه التي يزدهر بها العمران، وقوله تعالى: (لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ): هو تذكير بأن بسط النّعم على الخلق هو ابتلاء واختبار لهم من الله أيشكرون أم يكفرون، فمع الشّكر دوام النّعمة، ومع الكفر بها يقول تعالى: (وَمَنْ يُّعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا): والإعراض عن ذكر الله يصحبه العيش الضّنك وحلول نقمة الله بأنواع البلايا في عذاب شاق أليم.