نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ٢١١(وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً): فإلى جانب الصّلاة في جنح اللّيل وما يكون لها من التّأثير المطلوب في تهذيب النّفس وصقل الرّوح في اتصالها بالخالق، أمر الله رسوله بترتيل القرآن، وذلك بتلاوته في إمعان وتدبّر وقراءته بتمهّل لتسبين حروفه بحسن إخراجها من مخارجها مع تزيين الصّوت بدون تكلف لما ورد في الصّحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: «زيّنوا القرآن بأصواتكم»(1). وسئلت عائشة عن قراءة النبيء فقالت: "لا كسردكم هذا، لو أراد السّامع أن يعدّ حروفه لعدّها".
ثم نوّه الله بعظمة القرآن وبما يحمله من تكاليف فقال: (اِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً): الجملة تعليل للأمر بقيام اللّيل والذي يهيّئ نفس الرسول لتحمّل شدّة الوحي، وقد عرفتا معاناة رسول الله في بدء تلقي الوحي بغار حراء، كما ورد في حديث عائشة في إجابتها عن الذي سأل، كيف يأتيك الوحي يا رسول الله، عندما قالت فينصم عنه وإن جبينه ليتصعد عرقا في اليوم الشّديد البرد، ولا شك أن القول الثّقيل الملقى على رسول الله هو نزول القرآن عليه، وثقله مجاويّ –لا محالة- وقد تعدّدت أقوال المفسّرين في بيان ذلك من عدة أوجه.
ويلخص الإمام ابن عاشور ذلك في قوله: "ويستعار ثقل القول لاشتماله على معان وافرة يحتاج العلم بها لدقة النّظر وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه، وحسبك انه حوى من المعارف والعلوم مالا يقي العقل بالإحاطة به، فكم غاصت فيه أفهام العلماء من فقهاء ومتكلمين وبلغاء ولغويين وحكماء فشابه الشيء الثّقيل في أنه لا يقوى الواحد على الاستقلال بمعانيه"(2).
قلت: وللقرآن تقله المعنوي في جوانب أخرى متعددة في ميزان الحق، ومعايير العدل، وفي مجالات السّلوك.