نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ٢٤٠د) - (وَلِيَقُولَ الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً): فإما الكّفار فإن الفتنة قد طوّحت بهم في متاهات الضّلال فتفننوا في السّخرية والاستهزاء –كما تقدم- ويشاركهم في ذلك مرضى القلوب من المنافقين فراحوا يتساءلون: (مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً): والإشارة إلى عدد التّسعة عشر من الملائكة خزنة جهنم، فهم لا يدركون حكمة الله في تقدير كل خلق، بل لا يؤمنون ابتداء باليوم الآخر، إذ المقصود في ذلك التّساؤل الغريب هو إنكار أصل تلك الحقيقة الغيبية، وإن الخبر هو من تلفيق محمد ونظرا لهذا الاختلاف العقديّ لدى قلوب البشر ذكر الله سنته في الهداية والإضلال فقال: (كَذَالِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ): الإشارة إلى مضمون ما تقدم من بيان تلك الأصناف إزاء تأثرها بآيات الله أي بمثل ذلك الضّلال الحاصل في قلوب الكافرين والذي في قلوبهم مرض يضلّ الله من يشاء أن يضله من خلقه بناء على سوء استعداده وتوجيه نفسه لمواقع الشّرّ والضّلال، فهو يتصرف باختياره في حدود مشيئة الله المطلقة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المهتدي إذا لكلّ خرج من يد القدرة الإلاهية باستعداد مزدوج للهدى والضّلال ولكن الله ليس بمجبر أحدا على الهدى أو الضّلال، وإلا لما كان للتكليف حكمة، بل لإرادة المكلف دور أساسي في اختياره لأحد النّهجين بعد أن حدّد الله لنا بوضوح طريق الهدى وطريق الضّلال، وكل إنسان يختار لنفسه ما يوافق استعداده وهو محاسب على ذلك الإختيار، ولم يكلفنا ربنا أن نعلم ما وراء ذلك من أسرار القدر والغيب.
ثم أكّد الله أن العدد تسعة عشر هو من الغيب الذي يختصّ بمعرفة حكمته، فخزنة جهنم وإن بدا عددهم قليلا فإن لهم من الأعوان والجنود مالا يعلمه إلا الله، فيكشف عما يريد الكشف عنه فيقول: