نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ٢٩٣يحتمل أن يكون هذا الإخبار بتكريم المتقين موجها إلى المشركين زيادة في تقريعهم حين يقارنون بين حالتهم وحالة المتقين ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا لبيان ما يكون عليه المتقون يومئذ من الرّاحة والنّعيم تعريضا بالمشركين، وقد جمع الله بين النّعيم الحسيّ المتمثل في الظّلال الوارفة تجري من تحتها الأنهار وجيء بصيغة الجمع للدلالة على الوفرة وكمال المنظر وقوله تعالى: (مِمَّا يَشْتَهُونَ): بدل على تنوّع أصناف الملذات من الفواكه وغيرها، وأعظم من ذلك المتاع الحسيّ ذلك النّداء العلويّ التّكريمي، كلوا وأشربوا هنيئا بما كنتم تعملون وهو دعاء لهم بالهناءة ورغد العيش وكل ذلك التّكريم بسبب أعمالهم الصّالحة في الدّنيا، ولا يتنافى ذلك مع رحمة الله وفضله ثم يعقب الله تعالى على ذلك بقوله: (إِنَّا كَذَالِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ): تقال لهم مبالغة في التّكريم وليعلموا أن الله يجازي أمثالهم في الجنات وهو تعريض بالكفار لحرمانهم من ذلك النّعيم وهم يستحقون الويل بذلك التّكذيب، ثم يعود السّياق إلى مخاطبة المشركين وهم في الدّنيا وقد أرضى الله لهم حبل الأمل والأجل وهم مطمئنون إلى تلك النّعمة المؤقتة التي اغتروا بها فقوله تعالى لهم: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا): هو للإنذار يتسم بشتى من التّهكّم بأنهم كالحيوانات في الأكل والشّرب والتمتع القليل ثم يأتي بعده العذاب الأبديّ بسبب إجرامهم في حق الله وحق عليهم الوّيل والثّبور، وتختم السّورة بهذا اللّوم الموجّه للمكذبين، كيف دعاهم الرّسول إلى الهدى وهم لا يستجيبون.