نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٦٣

بعد بيان أصناف الخلائق إزاء هداية القرآن وذكر أحوال كل فريق أعقب الله تعالى ذلك بهذا النداء ليخاطب الجميع بما يكون لهم إرشادا ونصحا ينتفعون به في شؤون معاشهم ومعادهم، وذلك بعد أن وضع يدهم على مكامن أدوائهم وعرّفهم بحقيقة أوضاعهم، فكان من رحمة الله وفضله أن يوجّه هذا النداء ليرشدهم من ضلال ويستأنسهم من حيرة فقال جلّ من قائل: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

النّداء (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ) من ربّ العالمين يقصد به عموم الخلق ممن حضر وقت نزول هذه الآية ولمن سيوجد من بعد لأنه نداء في معرض التكليف: (اعْبُدُوا رَبَّكُم)، (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا)، وإذا كان هذا الخطاب شائعا من الأمراء والدعاة للجمهور فما بال ذلك من الله ورسوله لمجموع الأمة؟.

والمأمور به من الله لخلقه هو إفراده بالعبادة، وقد اختار لذاته العلية كلمة الرّب مضافة إضافة تشريفية لضمير المخاطبين (رَبَّكُم) وجيء بلفظ الرّب مفردا للدلالة على استحقاق الله لذلك الوصف وحده فهو ربّ واحد للجميع، وليس أربابا متفرقين كما يزعمه المشركون.

وعبادة الله وحده لا شريك له، هي المقصد الأسمى من الخليقة: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، كما هي الدعوة الواحدة الشاملة التي دعا إليها رسل الله في موكب الإيمان عبر مسيرته المضنية الشاقة في مراحل التاريخ البشري، قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ، لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء: 25)

٦٣ / ٦٬٢٠١