نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٦٤

ويستحق "الربّ" هذه العبادة والتقديس، لأن معاني الربوبية الحقّة من الرعاية والتربية لخلقه لا تتمثل إلاّ فيه، فهو الذي خلقهم في أحسن تقويم وصّورهم فأحسن صورهم وكفل أقواتهم وأرزاقهم، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وهو الذي خلق من كان قبلهم من الآباء والأجداد، لأن أولئك الأجداد وإن تعاقبت سلالتهم فهم من أب واحد ينتهون إليه، وهو مخلوق لله بالتّأكيد قال تعالى في مفتتح سورة النّساء: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا، وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً) (النساء:01)، فالله تعالى ربّ للجميع وخالق للجميع، والمتفضل بنعمته على الجميع، فهو المعبود الحقّ، وكل ما سواه باطل.

(لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ) تعليل لأمره تعالى بعبادته، و"لعل" تفيد الرجاء، والترجي إنما هو بالنسبة للخلق، لأنهم لا يجزمون بما يقع فيه الناس في مجال الإيمان والكفر، أما بالنسبة لعلم الله فللمفسرين تأويلات كثيرة لمعناها حتى يثبتوا الجزم واليقين في علم الله وللإمام ابن عاشور تفسير دقيق لمعناها إذا وقعت في مقام تعليل أو أمر أو نهي، فيرى أن لها استعمالا مغايرا لاستعمالها في الكلام المستأنف.(1)

والتقوى هي الحذر مما يُكره، وهو هنا سخط الله وعذابه. ويكون ذلك بحصول المؤمن العابد لربه على الكمال النفسي والسّمو الروحي نتيجة لحسن عبادته ذلك هو مجلى قدرة الله في الخلق والإيجاد يتدبّره الخلق في أنفسهم، وأمّا مجلى قدرته تعالى في الآفاق فيقول تعالى: (الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لََّكُمْ).

(1) -انظر شرح ذلك في التحرير و التنوير، 01/ 330.

٦٤ / ٦٬٢٠١