نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٢ · صفحة ٣٤٠

إنّ دعوى الإيمان بالله قد تقاسمها في وقت التّنزيل أقوام كثيرون وهم لا يهتدون لحقيقتها كما يريدها الله ورسوله، فالمشركون يدّعون أنّهم على ملّة إبراهيم إيمانا بالله، وقالت اليهود: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَآءُ اللهِ وَأَحِبَّآؤُهُ) (المائدة:18). وأجاب وفد نجران بأن ما ادّعوه في عيسى إنما هو حبّ لله، وقال قوم مؤمنون(1): والله يا محمّد إنا لنحبّ ربّنا، فنزلت هذه الآية تحسم القضية وتبين حقيقة الإيمان والوسيلة إلى حبّ لله فقال تعالى آمرا رسوله بأن يقول لهؤلاء: (قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): والمحبّة هي انفعال نفسانيّ ينشأ عن الشّعور بحسن شيء من صفات ذاتية أو إحسان أو اعتقاد، وينجرّ عن ذلك الانفعال ميل وانجذاب إلى ذلك الشيء. وذلك الشّعور يستمدّ من الحواس في إدراك المحاسن الذّاتية وتسمّى جمالا، كما يستمدّ من التّفكير في الكمالات المعنوية عن طريق العقل وتسمّى فضيلة. فمحبّة المؤمنين لله ورسوله هو تعظيم لتلك الكمالات والفضائل. ولما كانت صفات الخالق تعالى كلها فقد كمالات أكسبنا ذلك إجلالا له وتعظيما وتقديسا يزداد ويتنامى بطول المران والمجاهدة حتى يصير محبة تبعث على إدمان الطّاعة والعبادة التّماسا لرضى المحبوب.

وقد عبّر الرّسول عن هذه المكرمة التي قد ينالها المؤمن ويرتقي إلى منازلها حين قال: «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، أن يحبّ المرء لا يحبّه إلا لله، أن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النّار».(2)

(1) 1 - أنظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 4/ 60.

(2) 1 - رواه البخاري من حديث أنس، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، حديث 16، 1/ 14

٦٤٣ / ٦٬٢٠١