نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٦٥لقد حفلت آيات القرآن الكريم بلفت الأنظار إلى عجيب صنع الله في الأنفس والآفاق، وجعل ذلك مجالا لتدبّر آيات قدرته في خلقة الإنسان متناسقة مع خلقة الكون على عظمته وفسحته، وقد يرد ذلك بأسلوب مختصر كما في هذه الآية الكريمة، وقد يتوسع في البيان والتفصيل وفق ما يقتضيه السياق من الاختصار أو التفصيل، ولكن القرآن في كل من النوعين لا يتعدّى حدود التذكير والإرشاد للتنبيه على جلال الله وقدرته بالقدر الذي تقتضيه الموعظة والإرشاد، وبالقدر الذي يتطلبه الاستعداد الفطري لكل الخلائق بالأسلوب المبسّط الخالي من التعقيدات العلمية التي تتطلب قدرا كبيرا من المعرفة لاستيعابها، مصداقا لقوله تعالى في سورة فصّلت: (سَنُرِيهِمُ، ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ، أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53)، وامتثالا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:» تفكّروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتهلكوا «.(1) ذلك لأن فساد المعتقد عند المشركين العرب -وهم أول المخاطبين بهذه الآيات- جعلهم في حاجة لهذا النوع من التذكير، ذلك لأنهم لا ينكرون وجود الله كلية، بل كانوا يعترفون بوجوده كما ذكر عنهم القرآن ذلك في قوله تعالى:
أ – (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (لقمان:25).
ب - (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
(1) - الحديث رواه الربيع بن حبيب في كتاب العلم، باب النهي عن الفكرة في الله عز وجل حديث 827 (1/ 311) بلفظ/ «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق»، وزاد فيه الحسن/ إن الله لا تناله الفكرة.
و رواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال/ «مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال/ تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره». (1/ 216).