نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٣٩١(فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ): الاستفهام للتنبيه على الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء هو خوضهم في أحوال إبراهيم وليس لهم بها علم. فإذا صحّ لهم أن يجادلوا في مالهم به علم من أحوال عيسى -على ما وقعوا فيه من غلّو- أو في أمر محمد عليه السلام -على ما حرّفوه أو أخفوه- فلا يصحّ أن يجادلوا فيما يجهلونه من أمر إبراهيم الذي يعلمه الله ويخبر به في القرآن، لو أنّكم تذعنون لخبره.
(مَاكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ): والخبر اليقيني في أمر إبراهيم عليه السلام أنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا في نسبه ولا في شريعته، وكيف تكون اليهودية أو النّصرانية على حنيفية إبراهيم -وهو الّذي رفع لواء التّوحيد- بينما كل من الملتين تنكّبت عن جادته بصنوف من البدع والضّلالات.
وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) احتراس مما يوهمه الإطلاق الاصطلاحي للعرب بأنّهم الحنفاء مع كونهم عبّادا للأوثان، وبذلك تبطل دعاوى الملل الثّلاث.
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيءُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُومِنِينَ). وإذ نفى ربنا تبارك وتعالى عن إبراهيم صفة الجنس والملة: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً)، وأثبت له صفة الإيمان الصحيح والعقيدة الرّاسخة بوحدانية الله: (وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فلم يبق بين إبراهيم وأهل الكتاب وجه لذلك الإدعاء، وبالتّالي فإن الجدير بالانتماء إليه وأولى النّاس وأحقّهم بولايته هم أولئك الذين اتبعوا ملّته وساروا على نهجه في توحيد الله وإتباع شريعته التي هي الإسلام الصّحيح سواء في زمنه هو أو في الأزمان التي تعاقبت من بعده، وأولى بالانتساب إليه هذا النبي وجماعته المؤمنة.