نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٤٠٢ب) - فريق خائن لا يؤتمن على القليل من المال بله الكثير لا يؤدي إليك ما استودعته إياه إلا بعد المطالبة والإلحاح، والمتابعة أحيانا بالطّرق الرّسمية. والباعث على ذلك هو اعتقادهم ظلما وغرورا بأن دينهم يجيز لهم خيانة غير بني جنسهم من الأميين كالعرب، فليس عليهم حرج ولا إثم في استباحة أموال غير الإسرائيليين. تطاولا بما أوتوه من المعرفة والحكمة وأنهم شعب الله المختار، وبهذا الاعتقاد الفاسد أصبحوا يحتقرون من يخالفهم في الدّين ولا يراعون له حرمة في المعاملة.
والذي جرّأهم على ذلك سوء الفهم والتأويل لما في التّوراة أو لتحريفهم ما لا يتفق مع أهوائهم، وقد درج كثير من المسلمين على هذا الفهم الخاطئ، فوقعوا في ما وقع فيه أهل الكتاب من تكفير مخالفيهم في المذهب واستتبع ذلك استحلال أموالهم وأرواحهم وأعراضهم. وصدق رسول الله إذ قال: «لتتبعن سنن مَن قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا حجر ضبّ لدخلتموه»(1)
(وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ): ردّ الله عليهم وكذّبهم في هذا الزّعم الخاطئ، إذ ليس في التّوراة إباحة الخيانة لأحد وإنما هو التّأويل الباطل للنّصوص يقوم به أحبارهم ورهبانهم ليشروا به ثمنا قليلا.
وعلى ذكر هذا الواقع المنحرف يجيء الحكم العامّ للالتزام بوفاء العهود كما أمر الله: (بَلَى مَنَ اَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ): جيء بأداة "بَلَى" لإثبات ما نفوه في قولهم: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) معناه: يجب عليكم الوفاء بالعهد، وأن الله تعالى يحاسبكم على الخيانة مع بني جنسكم أو مع غيرهم من الناس، لأن الوفاء بالعهد من علامات التّقوى التي تقرّب العبد من ربّه وتجعله أهلا لمحبّته.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي سعيد، كتاب التفسير، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث 3269، 3/ 1274.