نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٧٢ولعلَّ المحاولة التي حاول بعض فصحاء العرب أن يجعلها بديلا من قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ) (البقرة: 179). فجاء بعبارة "القتل أنفى للقتل" لعلَّ هذه العبارة هي أصدق مثال للعجز البشري أمام ذلك التحدي الصَّارخ في القرآن الكريم، وقد بيَّن البلغاء بالمقاييس اللغوية والبلاغية مدى قصور تلك العبارة في شكلها ومضمونها عن أن تبلغ شأو العبارة القرآنية في الإعجاز البياني فسبحان من جلَّ عن الأنداد، ودانت لإعجاز قرآنه أساطين الضاد.
(فَإِن لََّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ): جاء الشرط بـ"إن" التي تفيد الشك وذلك على اعتبار حال المخاطبين من الشك والارتياب، ولنفي ذلك الشك جيء بالجملة المعترضة (وَلَن تَفْعَلُوا) وهم أساطين البلاغة ميؤوس منها، فلا سبيل بعد ذلك إلى العناد والمماراة، ومن ثمَّ جاء التهديد بنار جهنَّم التي أعدت للكافرين، وهم والحجارة التي يعبدونها وقودها، فما فائدة الجمع بين الناس والحجارة، وتبدو العلاقة بين الاثنين غريبة؟.
ولكن المتمعِّن في روح الآية يجد العلاقة شديدة بين الاثنين مادِّيا ومعنويا فالمادّية منها أن هؤلاء النَّاس هم في أصل خلقتهم من معدن التراب والحجارة، تجلَّت فيهم قدرة الله إذ جعل من هذه المادة الميِّتة بشرا سويَّا قال: (وَمِن -ايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) (الرُّوم:20).