نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٧٣أمّا العلاقة المعنوية فتبدوا في قمة هذا النوع من الناس عندما أخطأتهم الهداية والتوفيق فهم والحجارة سواء في تحجُّر قلوبهم وقساوتها، إذ لم يرتفعوا إلى مستوى التكريم الإلهي للإنسان على أن تشبيهه بذلك أو بالحيوان مثلا لا يكون إلا على سبيل المجاز، وإلاّ فهو في الواقع أخسّ من ذلك وأضلّ، كما قال تعالى في سورة الأعراف: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا، وَلَهُمُ، أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمُ، ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ، أُوْلَئِكَ كَالاَنْعَامِ بَلْ هُمُ، أَضَلُّ) (الأعراف: 179). ألا ترى إلى اليهود المتعنِّتين كيف شبَّه الله قلوبهم في قساوتها بالحجارة ثم ذكر بعض منافع للحجارة الطبيعية هي منعدمة في تلك القلوب فقال جلَّ من قائل: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنم بَعْدِ ذَالِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوَ اَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (سورة البقرة: 74).
أجل إنّ الإنسان -وهو المكرَّم بنفخة الله العلويَّة- يتردَّى إلى هذا الحضيض عندما تغلب عليه الطبيعة الترابية وتحجب عنه الأنوار الرَّبَّانية، فإذا كانت الحجارة وقودا لجهنَّم - أعاذنا الله منها - فقد ذهب المفسِّرون إلى أنَّها كناية عن الأصنام التي تعبد من دون الله لقوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) (الأنبياء:98).
وقد لفت نظري هذا التعبير القرآني بلفظ (حِجَارَة) بدون قيد، ممَّا يدلُّ أنها تتخذ للعبادة أو لمصلحة أخرى، فقلت لماذا يريد المفسِّرون حصر المعنى في الحجارة المعبودة؟، ونحن نعرف أن التماثيل التي عبدها الإنسان، لم تكن من الحجارة وحدها بل تفنَّن في نحتها من معادن وموادَّ مختلفة …