نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٤ويبدو لي-والله أعلم- أن قوله تعالى: (ثُمَّ اَزْدَادُواْ كُفْراً) يفصل في تحديد هذا الصّنف بأنه ليس من ذلك الّذي يكفر، ولكنه يبقى في موقف سلبيّ أزاء الدّعوة الإسلامية فهو لا يؤذي أحد، ولا يحاول مقاومة الدّعوة بيده ولا بلسانه فمثل هذا النّوع، قد يشعرون بشيء من النّدامة والألم النّفسّي في الارتداد عن الحق، فهم عرضة للتّوبة النّصوح في كل حالة. وأما هذا النّوع المحكوم عليه بغلق أبواب التّوبة أمامه فهو للّذي طبع الله على قلبه وبلغ من كرهه للإيمان أنه يمعن في كفره بحيث لا يكون موقفه سلبيا كالنّوع الأول، بل يزداد عتوّا وكفرانا فلا تنتابه ندامة قد تجرّه إلى التّوبة نوع ما، ويبقى على ذلك حتى يموت على كفره، فهو والنّوع الثّالث سواء في غلق باب الرّجاء أمامهم. فعلى فرض صدور التّوبة من النّوع الأسبق فهو توبة ظاهرية وآنية لا تؤهل صاحبها للمغفرة إذ تكون من النّوع الذي قال الله فيه: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ اُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً اَلِيماً) (النساء:18).
إذن فيكون التأويل لقوله تعالى: (لَن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) في عدم قبولها إما لكونها فاسدة في أصلها لأنها توبة ظاهرية لرسوخ الكفر في نفوسهم، وإمّا لأنها توبة عن بعض أعمال الكفر مع البقاء عليه في أصله، وإمّا أن يكون التّعبير كناية عن عدم توبتهم أصلا كقوله تعالى: (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) (البقرة:48)، أي لا شفاعة لها فتقبل.
ثم بيّن الله الصّنف الثّالث فقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنَ اَحَدِهِم مِّلْءُ الاَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ اِفْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ).