نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٦يلاحظ حسن المقابلة بين هذه الآية وسابقتها، إذ أنكر الله على أهل الكتاب كفرهم بعد إيمانهم وصدّهم النّاس عن سبيل الله وذلك ما أدّى بهم إلى نقمة الله وسخطه، وفي هذه الآية وسابقتها يأمر المؤمنين بالإيمان والوحدة وأن يكونوا دعاة لغيرهم بذلك قولا وعملا وسلوكا حتى تكون أمّة الاستجابة كالجسد الواحد كما ورد ذلك في الحديث المشهور الذي رواه الإمامان أحمد ومسلم: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسّهر».(1)
تأكّد الأمر الإلهي للمؤمنين بصيغة لام الأمر التي هي أصرح في الوجوب، والمخاطبون هم كافة المؤمنين لأننا ولو صرفنا معنى "من" للتّبعيض فإن الأمة المؤمنة مكلّفة في مجموعها بإيجاد تلك الطّائفة التي تقوم بتلك المهمّة الدّعوية، لأن الفرض الكفائي يستلزم وجود الإرادة والعمل في كل أفراد الأمة لتحقيق ذلك حتى لا يكون التّواكل والميل إلى الانفرادية واللامبالاة، لأن المسؤولية التّضامنية في الشّعور بالواجب هي من أبرز سمات الأمة الإسلامية، كما امتاز بذلك الرّعيل الأول من صحابة رسول الله، ولا يمكن لأية دعوة أن تنجح إذا انعدم فيها التّجاوب بين الدّاعين والمدعوّين.
ودرجة المسؤولية الدّعوية هذه تتفاوت بحسب كفاءات النّاس وظروفهم ومقاماتهم في المسؤولية كما أوضح رسول الله في الحديث الذي رواه الإمام مسلم وغيره: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»(2).
(1) -رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير، كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث2586، 4/ 1999.
(2) - رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخذري، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، حديث 49، 1/ 69.