نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٥وبحكم وضعية المسلمين مع اليهود في المدينة، إذ يتعامل الكثير معهم في المجالات الاقتصادية وعلى حكم الله على أكثريتهم بالفسوق -ومنهم على منعة بالقوة المادية- جيء بهذا الاستئناف للتهوين من شأنهم في نظر المسلمين فقال تعالى: (لَنْ يَّضُرُّوكُمُ (إِلآَّ أَذىً وَإِنْ يُّقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الاَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ، ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ): الإخبار بأن أكثرهم فاسقون يبعث على الاعتقاد بأنهم يضرّون المؤمنين حين يواجهونهم -وهم أهل قوة ومنعة كما تقدم- فيخشاهم المسلمون، ولدفع ذلك جيء بهذا الاستئناف البياني: (لَنْ يَّضُرُّوكُمُ (إِلآَّ أَذىً) لتطمئن الجماعة الإسلامية بأنّها لن تصاب من هؤلاء الأعداء إلاّ بأذى خفيف ممّا تقتضيه كل مواجهة ساخنة، وأنّهم لا يبلغون ضرّها ضرّا عميقا يؤثر في تماسك الجماعة وصلابتها. والأذى المذكور يكون من قبيل ما درج عليه اليهود من الهجو القبيح وإثارة الشبهات والطّعن في الدّين، وهم لا يزالون يتبعون هذه الخطة من الدّعاية المغرضة ضدّ الإسلام ويجدون من يطبّل لهم ويزمّر من أبناء الإسلام أنفسهم ممن استهوتهم الحضارة المادية الفاجرة وحسبوها أصلا لكلّ تقدم ورقي. ومما زاد لهذا الوضع حدّة أن اليهود وأشياعهم يملكون ناصية الإعلام العالميّ يسخرونه لأعراضهم الدّنيئة كما يشاؤون.
ذلك في الحرب الدّعائية والمهاترات الإعلامية، وأمّا في المواجهات الميدانية صراعاً وقتالاً فقد بشّر الله المؤمنين بهزيمة أعدائهم، بأن يولّوا الأدبار أمامهم فراراً وانهزاماً، لا يكتب لهم نصر ولا تقوم لهم قائمة ماداموا على فسقهم وكفرهم.