نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٧ولهذا التّوجيه الإلهي الحكيم علاقة واضحة بأحداث معركة أحد، بموقف رسول الله من الرّماة والمتخاذلين وقت الشّدة والبأس، أو عزمه على الانتقام بمن مثلوا بجثة عمه حمزة رضي الله عنه وبالتّالي هي توجيهات للمؤمنين كيف يستقبلون مشاكل الحياة وأوضارها، سيما تلك التي تأتي من قبل بني جنسهم.
(وَالذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَّغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ):
لعطف هذه الجملة على ما سبق وجهان: إمّا أن يقصد به أن هؤلاء فريق آخر من المتقين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا، وحينئذ يكون الاسم الموصول مبتدأ، وإمّا أن يكون من عطف الصّفات فهو تفضيل آخر لحال المتقين. فيكون النّصّ بذلك قد وصفهم في حالتي النّقص والكمال فيكون الموصول صفة.
وعلى كلا الوجهين فإن مراقي التّقوى والصّلاح يتفاوت المؤمنون في الاستشراف إليها، ولكنه مهما يبلغ المؤمن من التّقى والصّلاح فهو غير معصوم من نوازغ الشّيطان ولا من نزوة الشّهوات. ومن لطف الله تعالى بخلقه أن يراعي هذا الضعف البشري في حالة الوقوع في الفاحشة -وهي من أبشع الذنوب- فإن سماحة الإسلام لا تقفل أبواب الرّجاء أمام الخاطئين، ولا تلغي صفة الإيمان والتّقوى عن العصاة ما دام نور الإيمان يشعّ في قلوبهم، وما دام لجلال الله رهبة في نفوسهم، فهم عند انزياح غبار الخطيئة يذكرون الله فتستيقظ ضمائرهم حسرة وندامة، وتلهج ألسنتهم توبة واستغفارا، إنهم في حالة المعصية غير مستهترين ولا متبجّحين، ولا هم يحاولون بذلك الإضرار بغيرهم. بل يدركون أنهم في تلك الحالة إنما يضرّون أنفسهم في نزوة عابرة أو شهوة جموحة.