نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٤٩١أصبح المسلمون بعد هزيمتهم في "أحد" أصبحوا في حالة نفسية يطغى عليها الذّهول والانكسار اعتقادا منهم أن الله لا يسلمهم في كل حالة لأنهم يقاتلون في سبيله، وذلك ما يغيّر عنه سؤالهم: (قلتم أنّى هذا)؟؟ … فبيّن الله لهم في هذه المقدّمة أنه جعل في الأرض سننا تنتظم خلقه. بحيث يرتكز نجاحهم أو فشلهم على مقدار أخذهم بها أو تركهم لها.
والتّأكيد للخبر بأداة "قد" يدلّ على مدى ذهول المسلمين عن تلك الحقيقة التّاريخية، حتى نزّلوا منزلة النّاكرين لها، وهم ما يزالون في المراتب الدّنيا من النّضج الحضاريّ، لا يحسنون الرّبط بين حلقات الزّمان الماضي والحاضر والمستقبل، وبالتّالي كانت مجالات حياتهم لا تتعدى حدود شبه جزيرتهم بطابعها القبلي البدائي.
وها هي التّربية القرآنية تستشرف بهم الآفاق الواسعة في أرجاء الأرض كلها للنظر و التأمّل واستخلاص العبر والدّروس، وكم تردّد هذا المعنى في القرآن الكريم مفصّلا أو مختصرا حتى فجّر في هذه الجماعة حبّ المعرفة والإطلاع أمرهم الله بالسّير في الأرض دون مطالعة الكتب التّاريخية لأن منهم الأميّين ولأن المشاهدة والتّطبيق الميداني أفيد في ترسيخ المعلومات أو تلقينها وقد ركز الله في أحوال الأمم الماضية على عاقبة المكذبين من زوال قوّتهم وانتصار الحق على باطلهم، لتطمئن نفوس أصحاب رسول الله بأنهم هم المحقون، وأنهم سوف ينتصرون، ما أخذوا بأسباب النّصر، واجتنبوا الميل عن سنن الله في خلقه.
(هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ): تذييل يعمّ المخاطبين ومن يجيء بعدهم، والإشارة فيه إلى الحقيقة التّاريخية المتقدمة، أو إلى القرءان كله عند تلاوة هذه الآية.
وتعميم البيان لكافّة النّاس مؤمنهم وكافرهم من شأنه تفنيد مزاعم المشركين في إشاعتهم لتلك الادّعاءات من قولهم: لو كان محمّد على حق من عند الله لما نيل منه.