نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٤٩٣والمقصود بـ"الْقَوْمَ" هم مشركو مكة، مسّهم القرّح يوم "بدر" مثل ما وقع للمسلمين يوم "أحد"، واختلف التّعبير في ما حدث للفريقين فجاء بصيغة المضارع عما أصاب المسلمين لقربه من زمن الحال، وجاء بالماضي عما أصاب المشركين لبعده نسبّيا، ومن شأن هذا التّنظير بين الموقفين أن تتمايز به الحالات، فإذا كان المشركون قد تجلّدوا وتماسكوا في ما أصابهم يوم "بدر" وهم على باطل فما أجدر بالمسلمين -وهم على هدى من ربهم- أن لا ييأسوا ولا يحزنوا على ما أصابهم في سبيل الله لأن من شأن الله في تدبير شؤون خلقه أن يداول الأيام بين النّاس بالشّدة والرّخاء والنّصر والهزيمة.
وهذه القاعدة الاجتماعية المشار إليها هنا هي ظاهرة مطّردة في حياة البشر بصرف النّظر عن المحقين والمبطلين، وإنما تكون هذه المداولة في الواقع بحسب قرارات النّاس وأعمالهم في اختيار المواقف وتوخّي الأسباب، وبالتّالي فهي المحكّ القوي والمعيار الدقيق لمعادن النّفوس وفق ما هي مقررة في علم الله الأزليّ يجسّدها الواقع في حياة النّاس.
(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ): هذه هي العلّة الثّانية معطوفة على جملة (وَتِلْكَ الاَيَّامُ نُدَاوِلُهَا) والله يعلم أنهم مؤمنون من أن يمسّهم القرح بلا شكّ. وتأويل علم الله هنا أن المراد به هو علم عباده الذي يفسّره العلماء بـ"علم الظّهور" أي ليظهر الله للنّاس علمه بذلك بظهور المعلوم لهم كقوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (الأنفال:37). والعلماء يقولون: "إن الزّمن ليس بشيء بالنّسبة إلى الله"، فليس هنا متقدم ولا متأخّر، إذ أن تعلّق العلم بالمعلوم واحد عند الله في الأزل و الأبد.