نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٤٩٩وقد تلا أبو بكر رضي الله عنه هذه الآية على المسلمين عندما شُدِه النّاس بوفاة رسول الله في السّنة العاشرة وأشدّهم في ذلك عمر رضي الله عنه وقد روي عنه أنه قال: "والله ما هم إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرقت حتى ما تقلّني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض".(1)
أجل: فإن الصّبر عند الصّدمة الأولى لا يقوى عليه إلا أولوا العزم، وهو المعيار الدّقيق لحجم الإيمان وفعاليته في القلوب، وهو ما رجحت به كفة الصّديق على الأصحاب بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يجرّ الضّعف الإيماني إلى الارتداد، وذلك لا يضرّ المرتدّ بنفسه حين يتيه في الكفر والضلال، ويضرّ بجماعته حين يعروها الفساد والانحلال لأن دين الله في كل حالة لا تعوزه أسباب التّمكّن والنّصر، ولا يعدم أنصارا يقيّضهم الله من بين خلقه يحملون مشعله ويجدّدون عهده كما قال تعالى في سورة المائدة: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة:54).
(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ): وهكذا تجمع الآية الكريمة بين العتاب على المتوانين والثّناء على الصّادقين التائبين، ووصفهم بالشّكر يقتضي أولا أداء حق النّعمة، وثانيا أداء حق المنعم. وقد تجسّد ذلك في الذين ثبتوا واستماتوا حول رسول الله، وهم قدوة في ما يجب على المسلمين من التّضحية والفداء في سبيل عقيدتهم، لأن البقاء والخلود للهداية التي يتركها الدّاعية وليس لشخصه، إذ هو بشر تجري عليه سنة الله كبقية خلقه.
(1) 1 – رواه البخاري من حديث ابن عباس، كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلمووفاته، حديث 4187، 4/ 1618.