نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٥٠٠(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ اَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الاَخِرَةِ نُوتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ):
للموت رهبة في النّفس البشرية، ومن ثم كان الخوف والحذر من أسبابه مما جبلت عليه، وكان الإنسان المؤمن في حاجة ماسّة إلى ما يطرد عنه ذلك الخوف، وتخفف عنه من تلك الرّهبة عندما يواجه المخاطر ويتحدّى أعداءه المتربصين، ولا أجدى في ذلك من ترسيخ الإيمان بالقضاء والقدر.
(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ اَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً): إنها الحقيقة الأزلية الثّابتة في علم الله تنتظم شؤون الحياة والموت مقدرة بآجالها محدّدة البداية والنّهاية، تجري وفق إرادة الخالق ومشيئته ويهيّئ لها من الأسباب في واقعنا المعيش ما يجعلها تقع في الزّمان والمكان كما قدّرهما الله.
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ اَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ اجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف:34).
ومن شأن هذه العقيدة أن تجعل المؤمن شجاعا مقداما لا يهاب الموت، وإن كان الله تعالى يأمرنا بأخذ الحذر وإعداد العدّة لكل مواجهة، وبتوفير الوسائل والأسباب لنجاح كل مسعى، فلا عذر إذن للجبان، لأن الموت يلاحقه، ولا تردّه عنه الحصون والملاجئ: (اَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) (النساء:78). وقال أبو الطّيب المتنبّي:
فلو أن الحياة تبقى لحيّ … لعددنا أضلّنا الشّجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدّ … فمن العجز أن تعيش جبانا
(وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الاَخِرَةِ نُوتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ):