نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٣ · صفحة ١٨ومرة أخرى يجيء التّصحيح لتلك التّصورات الفاسدة فيقول تعالى: (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
إنّه الإيمان بالقضاء والقدر الذي يخفى أمره على الخلق فيخلطون بين تقديراتهم التي ترتبط بالأسباب والمسبّبات، إذ يرتّبون المقدّمات وفق هواهم ليحصلوا على النّتائج التي يريدونها غافلين عما وراء ذلك من تدبير الله وحكمته. وتقدير الآجال والأعمار من أدقّ الأمور الغيبية التي استأثر الله بها قال تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (لقمان:34)، فإذا كان سبب الموت مجهولا عندكم فإن بقاءكم في بيوتكم تخلّفا عن الخروج مع رسول الله للقتال لا يقيكم من الموت عندما تستوفون آجالكم حسبما هو مقدّر في علم الله.
وقد اختار الله لفظ "المضاجع" عوضا عن "المصارع" الذي اشتهر في التّعبير العربيّ عن صرعى القتال، يقول الإمام في دلالة ذلك من النّاحية البيانية: "فحقيقة الضّجوع هو وضع الجنب للنّوم والرّاحة، وأُطلق هنا على مصارع القتلى على سبيل الاستعارة، وحسّنها أنّ الشّهداء أحياء، فهو استعارة أو مشاكلة تقديرية، لأن قولهم: (مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) يتضمّن معنى أن الشّهداء كانوا يبقون في بيوتهم متمتعين بفروشهم".(1)
قلت: وكذا اختيار لفظ "بَرَزَ" عوضا عن فعل "خرج" للدّلالة على قوة الخروج حتى لكأنّهم مدفوعون إليه دفعاً.
(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 4/ 130.