نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٣ · صفحة ١٩وفي حكمة الله بما قدّره للمؤمنين من الهزيمة بعد النّصر قال تعالى: (وَلِيَبْتَلِىَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ)، إنه المحكّ القويّ للجماعة ليتمحّص صفوفها في أرض الواقع فيظهر المؤمن الواثق بوعد الله، وينكشف ذوو القلوب الواهنة على ما فيها من دخل وزيف.
(وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء، وهو مظهر ما تكنّه صدوركم من خلال ذلك التّمحيص ليميز به الخبيث من الطّيّب.
(إِنَّ الذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمُ (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ):
المقصود بـ (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) هو يوم أحد، واستزلال الشّيطان إياهم يمسّ كل من كان في قلبه تردّد ووهن، يملي له الشّيطان في ذلك فيضعف ويولّي الأدبار، وإذا زلّت الأقدام في مواطن الثّبات والصّمود فإن المعركة تكون خاسرة من جولتها الأولى، والظّاهر أن قوله تعالى: (تَوَلَّوْا مِنكُمْ) يشمل كلّ من كان مع رسول الله، ويعني كل من تولّى هروبا أمام المشركين أو عصيانا لأوامر القائد كما فعل الرّماة، فوسوسة الشّيطان كان لها أثرها السّلبيّ في نفوسهم وكانت خطيئتهم سببا للهزيمة، فالباء في: (بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ) سببية، لأن الذنب يجرّ إلى الذنب كما يقال، فتبعة الانهزام تقع على عاتقهم بتنازعهم وعصيان أمر الرّسول، وكثيرا ما تكون المصائب التي تصيب الإنسان آثارا لعمله السيئ، وهو ما يفصح به قوله تعالى في سورة الشّورى: (وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ) (الشورى:30).