نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٣ · صفحة ٢٣ب- تكون اللاّم للعاقبة: أي يترتب على قولهم ذلك حسرة في قلوبهم تزيدهم ضعفاً وتورثهم ندماً، لأنهم يتوهّمون أن مصابهم نشأ عن تضييعهم الحزم في الإقامة والمكوث، وفي الآية إيماءة إلى عقيدة القضاء والقدر، وهي من المسائل التي ترتبك فيها عقول كثير من النّاس؛ وللإمام الشّيخ محمد عبده كلام مفيد في بيان ذلك إذ نقل عنه الشّيخ رشيد رضا ما يلي: "إن القضاء عبارة عن تعلّق العلم الإلهيّ بالشّيء، والعلم انكشاف لا يفيد الإلزام، والقدر وقوع الشّيء على حسب العلم، والعلم لا يكون إلا مطابقا للواقع وإلا كان جهلا، أو الواقع غير واقع وهو محال، وهنا أمران كل منهما ثابت في نفسه: أحدهما أن الله خالق كل شيء، وثانيهما: أن هذا النّوع من المخلوقات الذي يسمّى "الإنسان" يعمل أعماله بقصد واختيار، ولكنه غير تامّ الإرادة والقدرة ولا العلم"(1).
(وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): تذكير للمؤمنين بمبدأ القضاء والقدر، وأنهما لا يتعارضان مع اختيار الإنسان وكسبه الإراديّ في اتخاذ الأسباب، واختيار فعل الإحياء والإماتة من أفعال الله الكثيرة هو أنسب لمبدأ القضاء والقدر لما فيهما من خفاء الأسباب عن الإنسان فيهما -غالبا- فما تدري نفس كيف جاءت إلى هذه الحياة وما تدري كيف تموت ومتى تموت. وقوله: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تحذير من إضمار العود إلى ما نهى الله عنه لأن الله لا يخفى عليه شيء من تصرفات خلقه ظاهرها وباطنها.
ثم قال تعالى: (وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا تَجْمَعُونَ، وَلَئِن مِّتُّمُ (أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ)
(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 4/ 195.